الأحد, ديسمبر 17, 2017

لتبقى مدينتا المقدسة حاضرة في استراتيجياتنا وعقولنا وضمائرنا

لن أطيل الحديث في هذه الورقة عن حجم الانتهاكات التي يتعرض لها أهلنا في القدس والنساء بشكل خاص، فالصعوبات والمضايقات والانتهاكات وأكاد أجزم  أن الجرائم التي  يتعرض لها ويعيشها اهلنا في القدس، نتابعها ونشهدها ونحس بها يوما بيوم بل ساعة بساعة . ويوجد العديد من المؤسسات والمراكز والأبحاث والدراسات والاحصائيات التي ترصد  حجم الانتهاكات التي تتعرض لها المدينة المقدسة.

المهم ، وفي ظل هذا الوضع الصعب جداً  والمعقد أكثر، والذي يتمثل بحرمان أهلنا من مممارسة أبسط حقوقهم الأساسية وهو حقهم بالحياة ، وحصولهم على حق الاقامة في مدينتهم والحصول على السكن المناسب وحصولهم على تراخيص للبناء، وحقهم في الحصول على التعليم الجيد ودراسة  المناهج الوطنية  التي تعزز الهوية الوطنية والتي تتحدث وتحاكي التاريخ الفلسطيني،  والحق في الحصول على الخدمات الصحية، والتنقل بحرية وممارسة الشعائر الدينية وحق التمتع بالمشاركة  بالنشاطات وعقد الندوات الثقافية والفنية، وحماية  وتوعية الشباب من خطر الادمان وتعاطي المخدرات.  كل هذه الانتهاكات بالضرورة تؤدي الى إلحاق الأذى الجسدي والنفسي والارهاق والشعور أحيانا بالاحباط وفقدان الأمل وأحيانا الهروب من هذا الواقع الصعب عبر ممارسة بعض السلوكيات غير المناسبة واللآئقة. والتأثير بالتأكيد يكون أكثر وقعا على النساء كونهن يتحملن المسؤولية الأكبر في استمرارية وديمومة الأسرة ويمارسن الأدوار المختلفة، فهن  اللواتي يقمن بأدوارهن الانجابية، والكثيرات منهن  نساء عاملات يصلن الليل بالنهار من أجل المساهمة في تأمين حياة كريمة للأفراد ، وأيضا في معظم الأحيان تقع عليهن مسؤوليات القيام بالواجبات الاجتماعية والمجتمعية.

حين نذكر او نتحدث عن الصعوبات، من السهل سردها وتكرارها ووضعها في أوراق عمل، ولكن لناخذ مثال واحد فقط ، وهو موضوع لم الشمل،   كم من الجهد وتعب البال والوقت الذي يستنفذ، والارهاق النفسي والتكاليف المادية والإرهاق لعائلة تعاني من  هذا الموضوع ، كم ورقة وكم مستند وكم شرط وكم مبلغ من المال ، وكم بيت من المفترض إستئجاره من أجل الحصول او عدم الحصول على إقامة صفرية أو مؤقة أو ربما هوية مؤقتة، لتسكن العائلة كوحدة واحدة وتمارس كما باقي العائلات في هذا الكون كي تعيش تحت سقف واحد وهو  أبسط الحقوق وهو من بديهيات الحياة.

ما هو حال العائلات التي تضطر لأن تعيش في بيت صغير أحيانا لا يكاد يتكون من غرفتين ويسكن  في هذا البيت ما يقارب العشرة أفراد وذلك لإثبات أنهم يعيشون  في القدس لضمان حفاظهم على الهوية ، ما هو الوضع الصحي لهذا البيت !!! ما هي الخصوصية التي يتمتع بها ساكنيه!!  وما هي المساحة التي يحصل عليها كل فرد لممارسة أبسط حقوقه في هذا البيت !!! والذي من المفترض أن البيت  هو المكان الذي يوفر الراحة لقاطنيه . تخيلوا كم مشكلة في اليوم ممكن أن تحصل بسبب الازدحام والاكتظاظ وعدم توفر المكان المريح ؟ وكم حجم الأعباء التي تقع على أفراد الأسرة بشكل عام وعلى النساء بشكل خاص من أجل تأمين حاجات الأفراد الرئيسية ، وأيضا كم حجم العنف الذي يمكن أن يحصل نتيجة ضيق المكان ومحدودية المصادر!!

لنتذكر معا، عائلة تخطط لبناء بيت، كم من الوقت وكم  من آلاف الشواكل  التي من المفترض دفعها من أجل الحصول على رخصة للبناء !!!

لنسرح اكثر، ونفكر في العائلات التي تعيش على أعصابها ليلا ونهارا وذلك لأنها خالفت البناء” بزيادة غرفة” وذلك كي يتمكن أفرادها من إيجاد مكان ليتسع للنوم !!! كيف يمكن أن يكون حال هذه الأسرة !!!

زميلاتي وزملائي: ما هي المناهج الدراسية التي يتعلمها الطلاب والطالبات  في المدارس ، وما هي المعلومات والأفكار التي يتلقوها؟ وما هي المبادئ والقيم التي يتم تذويتها لطلابنا وطالباتنا !!!

لا أود الاطالة أكثر، لأنه في كل مجال يمكن السرد والحديث بتفاصيل أكثر وجميعنا ندركها وعلى دراية بها،  ولكن أمام كل هذه التفاصيل، لنفكر ، كيف يمكن أن تؤثر كل هذه التفاعلات والأوضاع  على أفراد الأسرة بشكل عام وعلى النساء بوجه خاص !!

في كل ما ذكر ، فان الأفراد والأسر هي التي تتحمل بشكل أساسي حل كافة الإشكاليات والقضايا التي تواجهها،  يوجد بعض المساعدات هنا وهناك وتقديم الاستشارات من الجهة هذه أو تلك ، ولكن لا توجد العناوين الرسمية الحقيقية التي تحل وتساعد بشكل جذري، وهنا لا أتهم أحد ولكن هذا هو واقع الحال للأسف ، فكل فرد وكل أسرة تتصرف وتحل مشاكلها حسب حدود وامكانيات معارفها وخبراتها وتجاربها.

نحن بشكل عام نتقن ونجيد تشخيص الواقع، ونجيد أكثر وضع أصابعنا على الأسباب والمسببات، ولكن فكما العلاج الطبي، فإن  مرحلة التشخيص يليها إعطاء  العلاج ووضع التدخل المناسب. والسؤال الرئيسي وموجه لنا جميعاً، كيف بإمكاننا جميعا أن نعمل من أجل تعزيز صمود أهلنا في المدينة المقدسة ؟ كيف بامكاننا أن نقدم لهم المطلوب لمواجهة كافة التحديات؟ ما هي خططنا كمؤسسات رسمية وغير رسمية وأهلية  وكناشطين وناشطات لمواجهىة هذا الواقع الصعب المؤلم ؟؟؟

ما هي الإستراتيجيات المخطط لها لمواجهة سياسة التهويد ومسح وشطب الهوية الوطنية وأسرلة المناهج الدراسية ؟

ما هي الآليات لدعم الجرحى وذويهم ولذوي الشهداء؟

أين البرامج التي توجه وتستهدف الشباب والرجال والنساء والكبار في السن؟

ما هي التدخلات المصممة للتدخل مع الأطفال الذين يعانون من آثار انتهاكات الاحتلال  نتيجة إقتحام البيوت والاعتقال أو الإجبار على الاقامة الجبرية لأطفال داخل بيوتهم وأمهاتهم هن اللواتي يقمن على سجنهن ومراقبتهن في البيوت؟

كم تبلغ الميزانيات المرصودة لتعزيز صمود أهلنا في القدس ليعيشوا بعز وكرامة؟

وهناك تساؤلات كثيرة أخرى يمكننا طرحها لمحاولة الإجابة وإيجاد الحلول.

لا أود الاجابة بالنفي، ولا أود تحميل المسؤولية  للمؤسسات أكثر مما تحتمل، ولكن فالعمل والتدخل بمدينة القدس معقد وليس بالبسيط، ويوجد العديد من المستويات في التدخل، على الصعيد الرسمي وغير الرسمي، وهنا أنا لست بصدد ذكر ما  يجب فعله أو عدم فعله على المستوى الرسمي. ولكن وعلى صعيدنا كمؤسسات، ما هو المطلوب ؟  يوجد بعض المحاولات هنا وهناك ، ويوجد بعض البرامج  من بعض المؤسسات، وتتوفر بعض المبادرات ضمن مشاريع معينة لفترات محددة، ولكن المطلوب أكثر بكثير من ذلك، وببساطة أن توضع  القدس وأهلها بأطفالها وشبابها ورجالها ونسائها ومؤسساتها والقطاعات المختلفة التعليمية والصحية وموضوع السكن ومواجهة الاستيطان وغرس الهوية والقيم الوطنية ودعم المؤسسات الثقافية والفنية على أولوية الجميع وبدون استثناء، يجب وضع  خطة وطنية  يتم تبنيها من أعلى الهرم . لا يمكن الحديث عن تعزيز الصمود وعن دعم أهلنا في القدس  بدون العمل بشكل حقيقي على كافة الجوانب وأهمها الضغط على الصعيد الدولي ومخاطبة المجتمع الدولي للتدخل ووقف الاجرام الذي يحصل بمدينتا المقدسة.

من المفترض أن تبقى القدس حاضرة في إستراتيجياتنا وبرامجنا ونشاطاتنا وفي عقولنا وضمائرنا ومشاعرنا، وأن لا نقتصر ذكر القدس ومعاناتها وأوضعاها حين عقد المؤتمرات  أو بتنظيم الاحتفالات بمناسبة هنا أو هناك .

 وأخيراً  أتامل  أن نخرج في نهاية هذا المؤتمر بقناعة حقيقية لوضع الاستراتيجيات والخطط الوطنية والعمل بشكل شمولي وأن نترجم هذه الاستراتيجيات والخطط ونحرص على تنفيذها ونراقبها ونتابعها،   من أجل أن تبقى القدس عاصمتنا الأبدية ومدينتا التي نعتز ونفتخر بها ومنارتنا التي نهتدي اليها.

إعداد : حنان ابو غوش

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>